الرئيسية » الشهداء تحت التعذيب » “عملية قيصر” – الفصل الثاني: مصوّر جثث قبل الثورة وبعدها

“عملية قيصر” – الفصل الثاني: مصوّر جثث قبل الثورة وبعدها

"عملية قيصر" - الفصل الثاني: مصوّر جثث قبل الثورة وبعدها.

في الفصل الثاني من كتاب “عملية قيصر” ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري، يروي المصوّر المنشق عن جهاز الشرطة العسكرية في النظام السوري، “قيصر”، طبيعة مهنته كمصوّر جثث، والتحولات التي طرأت عليها بعد اندلاع الثورة، ربيع عام 2011. الشهادة قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

المهنة: مصور جثث
اسمي قيصر. كنت أعمل لدى النظام السوري. كنت مصوراً في الشرطة العسكرية في دمشق. سوف أخبركم عن عملي قبل الثورة، وخلال العامين الأولين منها. لكن لا يمكنني تفسير كل الأمور لأني أخاف أن يتعرف النظام علي من خلال المعلومات التي سأفصح عنها. أنا لاجئ في أوروبا. أخاف أن يجدوني ويتخلصوا مني، أو ينالوا من عائلتي.
قبل الثورة، كنت مسؤولاً عن تصوير الجرائم والحوادث التي يتورط فيها عسكريون. يشمل ذلك عمليات انتحار، وغرق، وحوادث سير وحرائق. كنا، أنا والمصورون الآخرون، نذهب إلى أمكنة الحوادث ونصوّر المنطقة والضحايا. هناك كان القاضي أو المحقق يقولان لنا: “صوّر هذا الشخص… صوّر ذلك الأمر”. كان عملنا مكملاً لعملهم. على سبيل المثال، إذا وقعت جريمة في مكتب ما، كنا نصوّر المكان الذي وجدت فيه الجثة، ثم نصوّر الجثة في المشرحة لنسجل من أين دخلت الرصاصة وخرجت. كنا أيضاً نستطيع تصوير الأدلة الخاصة بالجريمة، أي المسدس أو السكين المستخدم. إذا كان الأمر يتعلق بحادث سير، كنا نصوّر المكان والسيارة، ثم نعود إلى المكتب ونكتب تقريراً يرافق الصور. ثم يتم إرسال التقرير إلى المحكمة العسكرية كي تبدأ الإجراءات القضائية.
في تلك الفترة، كان قسمنا مرغوباً جداً من قبل الجنود والشباب المستدعين من الاحتياط. كثيرون كانوا يرغبون بالعمل في القسم لأنّه لم يكن هناك الكثير من العمل. كنا نتابع قضايا كل يومين أو ثلاثة، ولم نكن مجبرين على لبس أي زي رسمي، وكان بإمكاننا العمل بلباس رسمي أو مدني.
لكن الضباط لم يكونوا يرغبون بالعمل في القسم! إنّ قيادة (أو إدارة) مصورين واختصاصيي أرشفة ليس بالفعل عملاً ذا شأن. لا تملك الشرطة العسكرية الكثير من السلطة في البلاد، لا علاقة للأمر بالطبع بسلطة أجهزة الاستخبارات. أكثر من ذلك، لم يكن لدى عناصرها أي تواصل مع المدنيين، وبالتالي لا إمكانية لكسب المزيد من المال عبر البقشيش، كما يحصل في الجمارك، وفي الوزارات. كذلك لم يكن لديهم أي تأثير على الأمن والجيش.
في الهرمية الإدارية، لا أحد يهتم بعملنا، وقسمنا غير مهم. كان قسماً من بين العشرات. تشمل الشرطة العسكرية العشرات من الأقسام والفروع والكتائب. في دمشق وحدها كان يوجد ثلاثون قسماً على الأقل: مصورون، وسائقون، وميكانيكيون… وخدمات تشغيل، ورياضة، وفرقة لنقل المساجين بين الأفرع المختلفة للاستخبارات العسكرية. لكن الأهم من ذلك بالطبع هو موضوعا التحقيقات والسجون.
في أحد الأيام أخبرني زميل لي عن ضرورة تصوير جثث مدنيين. كان قد عاد للتو من تصوير جثث متظاهرين من محافظة درعا: كنا في الأسابيع الأولى للثورة في شهر مارس/آذار أو إبريل/ نيسان 2011. أخبرني وهو يبكي: (لقد أهان الجنود الجثث، وقاموا بدوسهم بأحذيتهم وهم يصرخون: “يا أبناء القحبة!”).
لم يرغب زميلي أن يعود، فهو كان خائفاً. حين اضطررت للذهاب، رأيت الأمور بنفسي. قال الضباط إنّ هؤلاء هم “إرهابيون”. لكنّهم كانوا ببساطة متظاهرين. كانت الجثث مصفوفة في مشرحة مستشفى تشرين العسكري، وهو غير بعيد عن المركز الرئيسي للشرطة العسكرية.
في البداية، كان يوضع الاسم على كل جثة. بعد بعض الوقت، أي حوالى بضعة أسابيع أو شهر، لم يعد للجثث أي أسماء، فقط أرقام. في مشرحة مستشفى تشرين قام جندي بإخراجهم من البرادات، ووضعهم على الأرض كي نتمكن من تصويرهم ومن ثم أعاد الجثث إلى البرادات.
كلما تم استدعاؤنا لجلسة تصوير، كان يحضر طبيب شرعي. مثلنا لم يكن الأطباء الشرعيون مضطرين لارتداء زي رسمي، لكنهم كانوا عسكريين مع رتب. في الأشهر الأولى، كانوا ضباطاً عاديين، ثم تم استبدالهم بمن هم أعلى رتباً.
مع وصول الجثث إلى المستشفى، كانت تحمل رقمين مكتوبين على ورقة لاصقة أو على الجلد مباشرة، الجبين أو الصدغ، وكانت المادة اللاصقة من نوعية رديئة وغالباً ما كانت الورقة تقع من تلقاء نفسها. الرقم الأول كان رقم الموقوف نفسه، والثاني خاص بفرع أجهزة الاستخبارات التي كان محتجزاً لديها. الطبيب الشرعي الذي كان يحضر في وقت أبكر صباحاً، يمنح كل جثة رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. كان هذا الرقم الأهم بالنسبة لعملنا الأرشيفي. يمكن للرقمين الآخرين أن يكتبا بشكل سيئ، أو خط غير مقروء، أو أن يكونا ببساطة غير صحيحين، بسبب وقوع أخطاء أحياناً.
كان الطبيب الشرعي يكتب الرقم الطبي على ورق مقوى. كان هو أو عنصر من جهاز أمني يضع الرقم قرب الجثث أو يمسك به حين نلتقط الصورة. هذه هي الأيادي التي رأيتموها في الصور التي سربتُها. أحياناً يمكن حتى رؤية أقدام الطبيب الشرعي أو العناصر الأمنية إلى جانب الجثث.
الأطباء الشرعيون هم أعلى منا مرتبة. لم يكن ممكناً الحديث معهم أو حتى توجيه أسئلة لهم. حين كان أحدهم يوجه لنا أمراً، كان علينا الطاعة. كان يقول لنا: “صوّر الجثث من 1 إلى 30، مثلاً، وارحل”. من أجل التمكن من التعرف بشكل سريع على الجثة في الملفات، كان يجب التقاط أكثر من صورة لها: واحدة للوجه، وأخرى للجسد بأكمله، وواحدة لجانبها، وواحدة للقسم الأعلى، وواحدة للقسم السفلي.
كان يتم تجميع الجثث بحسب الأقسام التي أتت منها، فكان هناك مثلاً مكان للفرع 215 من الاستخبارات العسكرية، وآخر لفرع الاستخبارات الجوية. سهل ذلك عملية التقاط الصور وتصنيفها لاحقاً.
لم أكن قد رأيت أياً من هذا مسبقاً. قبل الثورة، كان رجال النظام يعذبون المعتقلين من أجل الحصول على معلومات، لكنهم اليوم يقومون بذلك من أجل القتل. رأيت آثار شمع، ومرة رأيت علامة دائرية خاصة بالموقد الصغير – أي ذاك الذي يستخدم في صنع الشاي – وقد حرق وجه وشعر أحدهم. كان لدى بعض الأشخاص جروح غائرة، وعيون مقلوعة، وأسنان مكسورة، وآثار ضربات بكابلات كهربائية من تلك التي تستخدم لتشغيل بطاريات السيارات. كانت هناك جروح مليئة بالقيح، كما لو أنها لم تعالج منذ زمن وتعرضت للالتهاب. أحياناً، كانت الأجساد مغطاة بالدماء، لكن دماء طازجة. كانوا توفوا منذ مدة قصيرة بالطبع.
كنتُ أجد نفسي مضطراً للتوقف وأخذ استراحة كي لا أبكي. أذهب لغسل وجهي. في البيت لم أكن بوضع جيد أيضاً. لقد تغيّرت. كنت ذا طبع هادئ، وأصبحت سريع الانفعال، مع أهلي، وأخواتي. في الواقع، كنت مرعوباً، وأشاهد في رأسي كل ما رأيته خلال النهار. كنت أتخيل إخوتي وأخواتي وقد أصبحوا من تلك الجثث. جعلني كل ذلك مريضاً. لم أعد أحتمل كل ما يحصل، وقررت حينها الحديث مع سامي، وهو صديق يعيش في المنطقة نفسها. كان ذلك مساء يوم من ربيع العام 2011.
كان قيصر يرغب بالتوقف عن العمل والانشقاق. سمع سامي حججه، وأقنعه بالاستمرار لأنه الوحيد الذي يستطيع جمع الأدلة من داخل النظام. وعده بالوقوف إلى جانبه مهما حصل. (….) خلال عامين ورغم خطورة ذلك على حياته، سيقوم قيصر بنسخ ملايين الصور الخاصة بالمعتقلين والتي يمكن مشاهدتها اليوم في متحف الهولوكوست في واشنطن وعلى مواقع الانترنت. سيسانده سامي يوماً بيوم خلال عامين. وهو يستمر اليوم، في العام 2015، في مساندته في مكان ما حيث يعيش في أوروبا.


 

ترجمة : العربي الجديد.

شاركنا رأيك بالتعليق
الوسوم:
السابق:
التالي:

عن صوت المعتقلين

شاركنا رأيك

لأعلي