الرئيسية » الشهداء تحت التعذيب » “عملية قيصر” – الفصل الثالث: قصص التعذيب تحت قصر الأسد

“عملية قيصر” – الفصل الثالث: قصص التعذيب تحت قصر الأسد

“عملية قيصر” – الفصل الثالث:قصص التعذيب تحت قصر الأسد.

يروي قيصر، في الفصل الثالث من كتاب “عملية قيصر ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري”، تفاصيل من يوميات الرعب في تصوير الضحايا المتوفين تحت التعذيب، على بُعد 40 متراً من قصر بشار الأسد. الشهادة التي تنشر “العربي الجديد” مقتطفات منها بصورة حصرية، قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

الروتين يصبح رعباً
“في وقت من الأوقات أرسلت الجثث أيضاً إلى المستشفى العسكري في المزة، الأكبر حجماً من مستشفى تشرين. كان اسمه الحقيقي “المستشفى 601”. وفيما كان مستشفى تشرين على بُعد خمس دقائق بالسيارة من مكتبنا، كان المزة يقع على بعد عشرات الكيلومترات، أي حوالي نصف ساعة في السيارة.
كان تصوير الجثث في “تشرين” أسهل لأنّها توضع بمنأى عن الشمس والضوء، في المشرحة أو في الأروقة حين تكون المشرحة ممتلئة. في “المزة” كانوا يتركون خارجاً، على الأرض وفي المرائب، حيث يتم تصليح وصيانة السيارات. يقع المستشفى في أسفل تلة حيث يوجد الحرس الجمهوري. في بعض الصور، يمكننا أن نرى التلة وكشك حارس المستشفى والأشجار التي تحدد محيط المبنى، وخلفه في الأعلى القصر الرئاسي.
لقد شاهدت جثثاً لمسيحيين وعلويين. رأيت واحداً وقد رسم وشماً لوجه بشار الأسد على صدره، كإشارة على وفائه. مع زملائي، لم يكن علينا فقط تصوير الجثث، لكن فتح ملفات لها. كان علينا طبع الصور، وترتيبها وفق الفروع، ولصقها على الملفات، وتصنيفها. كان عملاً منهجياً، إذ يوجد شخص يطبع الصور، وآخر يلصقها أو يشبكها في الملف، وثالث يكتب التقارير. يقوم رؤساؤنا بالتوقيع على التقارير ثم نرسلها إلى القضاء العسكري. قبل الثورة، كنا نقوم بهذا العمل مع جثث العسكريين، وبعدها استمرينا مع جثث المدنيين. كان الأمر وكأنّه روتيناً.
زاد العدد، وخصوصاً في العام 2012. لم نكن نتوقف عن العمل. كان الضباط المسؤولون عن قسمنا يشتموننا ويسألون: “لماذا لم تنتهوا بعد؟! الجثث تتكدس! هيا، أسرعوا!”. كانوا يعتقدون أننا نتلهّى، لكن لم يكن بإمكاننا العمل أسرع من ذلك. كانت هناك دوماً جثث أكثر وموظفون أقل، بسبب الانشقاقات بين الجنود. تعرضنا لضغط كبير جداً، لدرجة أنّه في النهاية كانت الجثث تلتصق بعضها ببعض في مرآب “المزة” قبل أن يتسنى لنا تصويرها. هناك، تحت الشمس وفي الحرارة، كان يتم حفظ الجثث بشكل سيئ، خصوصاً إذا بقيت أكثر من يومين. حتى الجنود كانوا يرفضون المس بها، وكانوا ينقلونها بواسطة أحذيتهم من دون أي احترام.

رائحة الجثث جزء من حياتنا
كانت تتعفن. مرة رأينا عصفوراً ينقر عين إحدى الجثث، وأحيانا أخرى كانت الحشرات تجتاح الجلد. ثم كانت هناك الرائحة، ليس في مستشفى تشرين حيث يتم حفظ الجثث في الداخل، لكن في المزة في المرأب الخارجي. هذه الرائحة التي لم نكن نستطيع التخلص منها في البداية، كانت تجعلنا مجانين. لكننا اعتدنا عليها وأصبحت جزءاً من يومياتنا.
كنا نعمل ما بين الساعة الثامنة صباحاً والثانية بعد الظهر ونرتاح حتى السادسة أو السابعة، ثم نعود إلى المكتب من السابعة إلى العاشرة مساءً. كانت النهارات طويلة، وكنا نعرف أنّه علينا الانتهاء مساءً كي لا نواجه أي تأخير، فالمزيد من الجثث ينتظرنا في اليوم التالي لنصورها.

ملف لكل ميت
مثل كل دول المعسكر الشرقي القديمة، تسجل سورية وتصنّف وتؤرشف كل معلومة أو ملف. إنّ الدولة التي تشك حتى بالموالين لها تحب تصنيف كل شيء من أجل تجنب أي خطأ. في سورية، وفي قلب أجهزة الدولة، لا يثق أي شخص بآخر. كل من يطيع الأوامر عليه أن يبرهن أنّها نُفّذت على أكمل وجه. يطلب الضباط أخباراً ووشايات من مرؤوسيهم الذين يسارعون لتزويدهم بها خوفاً من تصنيفهم كغير موالين وجبناء وغيرها من النعوت، وهي اتهامات تؤدي إلى السجن من دون أي محاكمة. هل يموت الموقوفون من الجوع أو في ظل التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لأجهزة الاستخبارات؟ الأمر سري، لكنّه موجود ومسجل، ولكن في وثائق وفاة مزيّفة تعلن أنّ سبب الموت طبيعي.
في باحة المستشفى العسكري في المزة، وسط دمشق، وقبل أن تتوقف سيارة الهيونداي تماماً، يرمي الجنديان عشرات الأجساد العارية على الأرض. “ارموا أولاد الكلب هؤلاء هناك”! كانت الجثث قبل ذلك في مراكز الاحتجاز الخاصة بالفروع العسكرية. “كيف سأحمل هذا؟”، يصرخ المستدعى من الاحتياط مذعوراً، وهو لا يجرؤ على لمس الأشلاء الهزيلة، ويقول لرفيقه الذي يؤدي خدمته العسكرية أيضاً: “قم أنت بذلك”! بنظرات الرعب يجد الشابان أنفسهما مجبرين على نقل الجثث إلى المخزن.

مثل أي وجود مهدّد، يشرف بشار الأسد على كل شيء، فوقهما. حين يرفع الجنود أنظارهم يمكنهم رؤية المنحدرات الحجرية لقمة المزة. هناك، وعلى بعد أربعمائة متر فقط، تقع قلعة بشار الأسد المحاطة بالأشجار. يشرف القصر الرئاسي المسمى أيضاً قصر الشعب على العاصمة.

على بعد 400 متر من قصر بشار
أسفل القصر الرئاسي، تصل كل يوم تقريباً جثث جديدة، وعلى الجنود تعلّم كيفية جرّها وحملها ومن ثم فرزها وفق فروع أجهزة الاستخبارات حيث كانت محتجزة. تتكرر كل الحركات بشكل شبه يومي. يصل الطبيب الشرعي حوالي الساعة السابعة صباحاً. في يده دفتر، هو مجموعة من الأوراق الكبيرة والتي قسمت لثلاثة أعمدة، وينتقل من جثة لأخرى. يحمل كل جسد رقمين كُتبا على الجلد أو على ورقة ملصقة عليه. الأول يعود لرقم الموقوف، والثاني رقم فرع جهاز الاستخبارات حيث كان محتجزاً.
يضع الطبيب الشرعي رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. بعد كتابته على ورق مقوى، يوضع هذا الأخير على الجثة أو قربها. يقوم المصوّر بأخذ صورة بواسطة جهاز رقمي هو نيكسون كولبيكس بـ50 أو فوجي، ثم يعود الطبيب مع دفتره ليكتب الأرقام الثلاثة في العمود المناسب. يرافقه جندي “شاهد عيان”، ويعطيه مواصفات الميت لوضعها في العمود الأول: عمره التقريبي، وطوله، ولون بشرته وشعره، ووجود وشم من عدمه، وجرح ناتج عن رصاصة… وكذلك أسباب الموت، التي بشكل لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس”. بالطبع لا تُكتب أي ملاحظة عن التعذيب في أي ورقة.
يقوم الطبيب الشرعي بعدها برسم خط تحت كل المعلومات وينتقل إلى الجثة التالية. تتضمن كل صفحة معلومات عن ثلاثة أو أربعة أشخاص بشكل متوسط. يتم إنهاء التقرير الطبي في مكاتب الطب الشرعي الموجودة في مستشفى تشرين.
بعد الانتهاء من التصوير، يعود قيصر وزملاؤه إلى مكتبهم في الشرطة العسكرية لكتابة تقريرهم الخاص، الموجه إلى القضاء العسكري. قبل الحرب، في بداية الثورة، كان كل ميت يحظى بوثيقة خاصة به. شيئاً فشيئاً، ازداد عدد الجثث، وأصبحت الورقة تتسع لعشرة ثم خمسة عشر ثم عشرين موقوفاً.
هذه الوثائق وترويستها تبيّن أنّها تابعة لقسم التصوير الجنائي داخل فرع الشرطة العسكرية في الجمهورية العربية السورية عليها عناوين مطبوعة مسبقاً: “preuve de justice”، “ملاحظات حول صورة الحادث”، “تفاصيل حول الحادث”. بعد الانتهاء من تصنيف الوثيقة بوصفها “موت”، يجب على جنود قسم التصوير الجنائي تعبئة كل واحدة بقلم الحبر.

أسباب الموت، التي بشكل لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس.


ترجمة : العربي الجديد

شاركنا رأيك بالتعليق
الوسوم:
السابق:
التالي:

عن صوت المعتقلين

شاركنا رأيك

لأعلي